أبو حامد الغزالي

81

محك النظر

القوة تجمع بينهما كما تفرق نصفي الإنسان وليس في وسعها البتة اختراع صورة لا مثال لها في الخيال ، بل كل تصرفاتها بالتفريق والتأليف في الصورة الحاصلة في الخيال . والمقصود أن مباينة إدراك العقل الأشياء لإدراك التخيل أشد من مباينة التخيّل للإبصار ، إذ ليس للتخيّل أن يدرك المعاني المجردة العرية عن القرائن العربية التي ليست داخلة في ذاتها ، أعني الذي ليست ذاتية لها كما سبق . فإنك لا تقدر على تخيل السواد إلا في مقدار مخصوص من الجسم ومعه شكل مخصوص من الجسم ووضع مخصوص منك بقرب أو بعد . ومعلوم أن الشكل غير اللون والقدر غير الشكل ، فإن المثلث له شكل واحد صغيرا كان أو كبيرا ، وإنما إدراك هذه المفردات المجردة ليس إلا بقوة أخرى اصطلحنا على تسميتها عقلا فيدرك ويقضي بقضايا ويدرك اللونية مجرّدة ويدرك الحيوانية والجسمية مجرّدة ، وحيث يدرك الحيوانية قد لا يحضره التفات إلى العاقل وغير العاقل ، وإن كان الحيوان لا يخلو عن القسمين ، وحيث يستمر في نظره قاضيا على الألوان بقضية قد لا يحضره معنى السوادية والبياضية وغيرهما ، وهذا من عجيب خواصهما وبديع أفعالهما ، فإذا رأى فرسا واحدا أدرك الفرس المطلق الذي يشترك فيه الصغير والكبير والأشهب والكميت والبعيد منك في المكان والقريب ، بل يدرك الفرسية المجردة المطلقة منزها عن كل قرينة ليست ذاتية له . فإن القدر المخصوص واللون المخصوص ليس للفرس ذاتيا بل عارضا أو لازما في الوجود ، إذ مختلفات القدر واللون تشترك في حقيقة الفرسية . وهذه المطلقات المجردة الشاملة لأمور متخيّلة هي التي يعبّر عنها المتكلمون بالوجوه أو الأحوال أو الأحكام ، ويعبّر عنها المنطقيون بالقضايا الكلية المجردة ، ويزعمون أنها موجودة في الأذهان لا في الأعيان . وتارة يعبّرون عنها بأنها غير موجودة في خارج بل في داخل يعني خارج الذهن وداخله . ويقول أرباب الأحوال أنها أمور ثابتة ثم تارة يقولون أنها موجودة معلومة وأخرى يقولون لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة ، وقد دارت فيه رؤوسهم وتاهت عقولهم ، والعجب أنه أول منزل ينفصل به